
6:58
6:59
7:00
تنحني الأرقام في الشاشة الاليكترونية لتشير إلى الساعة السابعة مساءً.
غَبَشٌ في السماء من بقايا يوم مغبر، ترتجف الأرقام في سيارة (مرزوق الغزّاي) المهترئة، يمسك بالمقود بشدة .. آية الكرسي كُتبت في قطعة كرتونية زرقاء باهتة تتدلى من مرآة السيارة الداخلية، وهناك ملف أخضر على مقدمة السيارة فوق قطعة مخملية حمراء أهدابها متقطعة وقد كواها شمس الرياض المحرقة حتى بدا لونها يميل للسواد.
طريق الملك عبدالعزيز ، كم يبدو وديعاً في المساء، حينما يأخذ أنفاسه بعد يوم عملٍ شاق، على كتفيه تقبع الوزارات، وفوق رأسه تموج السيارات يومياً، فيصيبه صداع ما إن يهدأ ليلاً حتى تعود السيارات صباحاً في مسيرة يوم حافل!
يقف الآن على أبواب الوزارة، رجل الأمن يسمح له بالدخول بعدما رأى شعار الوزارة في الزاوية اليمنى للزجاج الأمامي، يجول ناظره في مواقف الوزارة وقد خلت من السيارات، ارتسم على شفتيه المتشققة ابتسامة ساخرة، يتذكر الزحام الشديد على المواقف كل صباح، والتي تنتهي بالوقوف خلف سيارة صديق أو زميل !
سار بهدوء داخل المواقف حتى توقف في المنتصف تقريباً، نزل وأخذ عطراً اشتراه بعشرة ريالات من أمام المسجد هذا اليوم، تعطر منه كثيراً حتى دمعت عينه وتفرغ للعطاس!
سار بهدوء .. يطأ بقايا السجائر وأوراق المراجعة تتطاير مع نسمات الهواء، دلف مع مدخل الوزارة، وسار بخطى هادئة نحو المصعد، فُتح الباب، يده تتجه إلى الرقم (3) اللون الأحمر يَحف بالرقم، أنفاس متصاعدة، صوت صرير عجلات المصعد تبدد الصمت ، ينفتح باب المصعد، يتجه نحو باب خشبي كبير ، بجانبه إطار معدني كتب عليه بخط ديواني جميل ( وكيل الوزارة).
أطل برأسه فوجد مكتباً أنيقاً، وشاباً مهذباً يرتب بعض الأوراق على المكتب، تقدم بهدوء، وقد انفرجت شفتيه عن ابتسامة هادئة ..
- السلام عليكم
رفع الشاب رأسه وتأمله لثانية ثم أجابه بهدوء: وعليكم السلام !
- أنا مرزوق الغزّاي .. جاءني اتصال عصر اليوم و …
- آه نعم نعم ، سعادة الوكيل يرغب بمقابلتك !
- الوكيل نفسه!
- نعم ، تفضل يا أستاذ مرزوق بالجلوس، سأخبره بمقدمك.
يجمع ذلك الشاب شتات الورق ليضمه في إضبارة سوداء، ويتجه للمكتب المجاور، حذاؤه الإيطالي ينقر البلاط الرخامي بإيقاع ثابت، تنقطع أحياناً حينما يخوض في الفرشة التركية .. أما مرزوق فقد توجه نحو الأرائك الجلدية، جلس على طرفها متحفزاً وقد عض على شفته حينما سمع صوت صرير الجلد متشكياً من هذا الحمل الثقيل!
يعود ذلك الشاب لمكتبه بعد ثوانٍ ويبدأ يعمل على الحاسب ، بدأ مرزوق متحفزاً ويفرك بيديه .. ليعد سؤالاً يجول في عقله:
- أأ . هل تعرف لماذا يريدني الوكيل
يتأمل الحاسب قليلاً ثم يجيب بإهمال: ستعرف بعد قليل
- أأ أ أقصد هل تعرف الموضوع أو شيء من … يقاطعه السكرتير:
- قلت لك ستدخل الآن وتعرف ماذا يريد ، وأنا نفسي ( ويتأمل مرزوق بإزدراء) لا أعرف حقاً ماذا يريد منك !
مرت الدقائق على مرزوق والأفكار تروح وتغدو ، قطعها صوت رنين الهاتف الذي يتقافز صداه بين الأرضية الرخامية والجدران الأنيقة ، يلتقف السكرتير الهاتف وهو يجيب بهدوء: سم طال عمرك .. أبشر
- تفضل أستاذ مرزوق
- أين .. داخل !؟
- نعم .. سعادة الوكيل ينتظرك
يسير مرزوق وهو مرتبك نحو الباب، يفتحه وإذ بمكتب الوكيل في مكان قصي، يراه صغيراً على غير عادته! ، يسير .. ويسير .. يجتاز الدروع على يمينه وطاولة الاجتماعات على يساره .. ويسير ! ويسير حتى يقترب من الطاولة ويرى جسم الوكيل الضخم! كما هو معتاد وهو مطأطئ الرأس ليقرأ ورقة بين يديه .. يلقي عليه التحية ..
- ا ا السلام عليكم
يكمل الوكيل قراءة الورقة لثوانٍ ويرد على مرزوق ببطء شديد: وعليكم السلام .. استرح
فرغ الوكيل من الورقة وأزاح تلك النظارة الصغيرة التي تعلو أنفه، وتوجه بالحديث نحو مرزوق!
- أنت مرزوق ؟
- نعم طال عمرك
- أنت تعمل في إدارة أبو سعد وإلا ؟!
- إلا بلى طال عمرك
- إيه .. اليوم كنت أسولف مع أبو سعد ومدحك كثير ، يقول أنك مجتهد وتحافظ على الأمانة وسرية المعلومات
- الحمد لله هذا توفيق من الله
- وللعلم فأنا احتمال أكون في منصب ثاني وكبير ، وأحتاج واحد أمين مثلك، ولا أبي أحد يدري بهالموضوع
- أكيد ما راح يطلع إن شاء الله
- فلذلك أبيك تستعد، في أي لحظة ممكن أطلبك، لكن الآن ممكن تعمل وتشتغل بشكل طبيعي ، ولا أنت قابلتني ولا تعرف أي شيء .. وفقك الله
انتهى الحديث بينهما ، وقام مرزوق ومشاعر الغبطة تملأ هذا المكتب الضخم، ابتسم إبتسامة عريضة للسكرتير ، والأحلام تحمله نحو المصعد، يضغط بنشوة الرقم ( 0) وحينما أغلق المصعد ضغط سريعاً على رقم ( 2 )
فتح باب المصعد في الدور الثاني، ورأى لوحة ضخمة كتب عليه ( مكتب الوزير) ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، وأخذ يتخيل نفسه يدخل يوماً ما إلى هذا المكتب .. لم تتوقف تخيلاته إلا حينما حاول فتح باب سيارته العالق دوماً ..
توجه نحو الاستراحة التي تجمع شتات الشعب كل يوم، دلف من بابها الحديدي واستقبلته سحابة متشبعة برائحة الشيشة .. ألقى التحية على أصدقائه الذين تناثروا في الخيمة كأنهم قد أصيبوا بغارة كميائية!
جلس مستنداً للجدار ومتأبطاً إحدى المراكي المتناثرة! ، وأخذ ينصت لأحاديث من بجواره بصمت!
- هاه بو حسن ما هنا أخبار جديدة عن السوق
- الله يقلع هالسوق بس ، والله ما جاب لنا إلا الهم ، الله يلـ … ، سوق للهوامير مهب لنا يا الضعوف ( ينقر بغضب على أزرار لاب توبه من طراز ايسر)
ينقل مرزوق نظره لأولئك الذين آثروا التسدح أمام الشاشة، ويرخي سمعه لما يقولون:
- أقول .. من عقب ما ” دبجت” مذيعة العربية ما شفناها؟! تهقى تستقيل؟
- لا يا رجال، يعطونها إجازة ” فشيلة” ، ثم عقبها تجي ولا كن شيء صار .
- إلا على طاري الإجازات، الدوري وش وضعه الحين .
- مدري .. بس تدري حط على الجولة خن نشوف وش آخرة هياط النصراويه
( يتبعانها بضحكات مكتومة)
وفي غمرة تأمله، يقطع أبو إبراهيم ( زعيم الجلسة) أفكاره بقوله:
- سلامات مرزوق، عسى ما خلاف ؟!
- لا .. لا أبداً
- أشوفك تهوجس مهب عوايدك
- واللهِ …
يتوقف مرزوق عن الحديث حينما رأى الأعناق تلتفت إليه والعيون تحاول استنطاقه! ، ليجيب بتردد: طلبات أم العيال ما تخلص !
في وقتٍ متأخر، عاد مرزوق لبيته وكانت زوجته ” خديجة” في استقباله ، ناولها كيس الخبز الذي في يده وتوجه نحو الغرفة .
- سلامات ، ليش جاي متأخر ؟
- أبد طلعت من الوزارة ورحت للشباب وهذي جيتي من عندهم
- عسى شغل الوزارة يعطونك عليه فلوس
- والله ما يندرى عنهم لكن ربك يعين
بعد يومين ، كان مرزوق يحاول أن يلفت نظر الوكيل ، وذلك بالمرور قرب مكتبه، أو أدى صلاة الظهر خلفه … كي لا ينس الوكيل وعده! ، لكن مرزوق لم يستطع أن يكتم على الموضوع مع إلحاحات زوجته المستمرة …
- وش تقول وزير ! ( تتكلم خديجة بذهول! )
- ايه ايه ، الوكيل الله يطول عمره يمكن يصير وزير في أي لحظة وكلمني، احتمال يجيبني في مكتبه .
- وعساك قعدت كذا ما سويت شيء؟!
- وش أسوي يا بنت الحلال ؟
- ضبط نفسك، زين شكلك خلك مثلهم، ثيابهم تتلاصف مهنا أحسن منها .
- اييييه .. طفرانين وعسانا نسدد الأجار لا يجي أبو عبدالرحمن ويقول أطلعوا مليت من نقلة الاثاث من ملحق لملحق ..
- ما عليك يابن الحلال عطه جزء من الأجار والجزء الثاني زين فيه نفسك.
- شلون أزين نفسي يعني ؟
- اسمع في مدرستنا ابلا منيرة رجلها يشتغل في الديوان الملكي خلني اسألها وش يلبسون ووش يزينون علشان أشكالهم تطلع زينه .
- لا تفضحينا يا بنت الناس ما صار شيء للحين !
بعد أيام، استطاعت خديجة وهي فرّاشة في إحدى المدارس الحكومية، أن تجمع معلومات كافية عن محلات الأزياء والملابس، ولكن مرزوق اصطدم بعقبة المال، لم يستطع أن يدخر شيئاً من المال، فاضطر أن يستدين من جيرانه ومن زملائه في العمل مبالغاً تجاوزت 10 آلاف ريال …
ذهب إلى محلات الخياطة الفاخرة، اشترى ثياباً أنيقة، وحذاء فاخراً يتجاوز سعره 500 ريال، واستبدل شماغه القديم بأحدث الأنواع وأجمل طراز ، كان يدخل لباريس غالري ويشاهد الأقلام والساعات فيتسائل ببراءة عن سعرها، فيصيبه ذهول من قيمتها التي تتجاوز راتبه الذي يحاول أن يحافظ عليه من النقص والخصم … يردد في نفسه:
- الله لا يوفقكم الله لا يعاقبنا .. عطر ب 600 ، ساعة ب 5000 .. الله لا يعاقبنا بس.
لكنه في الأخير يقدم على شرائها !.
أخذ يجول في الوزارة بكل أناقة، الكل يثني على مظهره المثالي .. ذهبت ملابسه الصفراء البالية .. ذلك الثوب المميز بقطرات الحبر التي لا تمحى أبداً في مياه منفوحة … الآن أصبح المميز من موظفي المراتب المتدنية ..
.
.
.
19-2-1430
حركة دؤوبة في الوزارة …
مرزوق يتأبط بعض الأوراق وينظر بعين حائرة لخطوات الموظفين، يتنصت باهتمام لما يقولونه:
- هاه يا سليمان فتح واس معك ؟
- لا لا الله ياخذوه من موقع شفوه طايح
مرزوق يسأل بهدوء: وش السالفة؟
- يقولون تغييرات وزارية
- باللهِ ؟ أعلنوا الأسماء ؟!
- لسه لسه هذانا ندور في المواقع ، شف يا سليمان موقع بناء والا الساحة المفتوحة …
بعد ساعات من التوتر والقلق … تُعلن الأوامر الملكية ..
تعرف مرزوق على وزيرهم الجديد .. إنه لم يكن سعادة الوكيل!
أخذ يتسائل كأنه طفل تائه ، وأين سعادة الوكيل .. ربما وضعوه في وزارة أخرى.
- لاااا الوكيل يسلم عليك أحالوه للتقاعد، كان مأمل أنه يكون في مجلس الشورى، بس يالله راحت عليه
راحت على مين؟ ، هكذا بدأ مرزوق يتسائل …
شعر بأنه ضاع، في عالم يموج به يمنة ويسرة .. تكسرت كل أحلامه ، قطع تساؤلاته رنين هاتفه :
- نعم
- أخوي مرزوق مدري وش أقول لك ، لكن والله مزنوق هالأيام هذي في الأجار وودي الله يعافيك تسدد الـ 5 آلاف الي تسلفتها مني قبل كم أسبوع …
يغلق مرزوق الهاتف ويطأطأ رأسه للأرض ويتأمل في الحذاء الذي يساوي 500 ريال !