التدوينات الموسومة بـ ‘أزمات’

07
نوفمبر

الأمن والدفاع المدني ، وإدارة الأزمات!

مثل أي إنسان يعيش في هذا الوطن، سيشعر تماماً بأنه نهض بشكل مفاجئ منذ أكثر من عقدين ، حينما جاءت لنا “الطفرة” بمشلحها الأنيق! وخرجنا من أهدابها سريعاً، وتبقى لنا ذكراها .. مثل أبراج الملك خالد في الخزان حيث كانت الفيصلية في ذلك الوقت!

أقول هذا الكلام حينما أنظر لكل ما هو حولي، سأجد أن لكل دائرة حكومية تجهيزات خاصة فيه، تكاد تكون ضخمة جداً نعرف عنها أحياناً أو نجهلها غالباً ، انظروا إلى مستشفى التخصصي، وإلى مدينة الملك فهد الطبية، وانظروا إلى المستشفى العسكري، وإلى ملعب الملك فهد، وانظروا إلى المطارات و و و ، ولكننا نكتشف أن هذه الإنجازات لا يتم الاستفادة منها بشكل جيد، وسأضرب لكم عدة أمثلة:

منذ أن أطل علينا وجه الإرهاب البغيض وجاءت تبعاته من “الصبّات” حتى أصبحت جزءاً مألوفاً في مجتمعنا تحيط بمجمعاتنا ومبانينا، ونمر من بينها كأنه شيء عادي جداً ، أذكر أنه بعد الأحداث الأولى في العاصمة الرياض، ظهرت السيارات السوداء! والتي عرفنا لاحقاً أنها سيارات قوات الأمن الخاصة، فهل هذه السيارات هبطت فجأة من السماء ؟! أو أننا شعرنا بحاجة إليها فجلبناها من الخارج وتم طلاؤها باللون الأسود ؟ أبداً .. إنها موجودة منذ القدم بل ومن ينتبه أثناء سيره في طريق القصيم أو طريق صلبوخ سيجد الكبري الذي يشير إليه: قوات الأمن الخاصة .

ربما أن هذه القوات لم نستدعيها إلا بسبب الحاجة وهي أصل استحداثها وإنشائها، ولكن لا يمنع أن نستفيد منها في المظاهر الشبابية الخارجة عن الذوق والأدب، مثلما يحدث في شارع التحلية بعد فوز المنتخب أو نادي من الأندية أو بسبب مناسبات اليوم الوطني وأي مناسبة يجدها الشباب لإفراغ ما بداخلهم ، يمكنك أن تحتفل على رصيفها الممتد ، والبس ما تشاء وارقص كما تريد ، ولكن للطريق حق يجب ألا تحتفظ به لنفسك! ، ربما قواتنا الأمنية تعجز في إدارة هؤلاء ولكن قوات الأمن الخاصة بلونها المهيب ! سترمي في قلوب أولئك الخوف .

أذكر أيام تأهل المنتخب لكأس العالم 98 في فرنسا، نزلت أفواج الشباب في شارع التخصصي ( تحلية ذلك الزمان) وعهد على الشارع بأنه مثل شارع التحلية الآن: لا يدخله أحد وقت الأفراح .. فالداخل مفقود والخارج مولود ، ولهذا فقد انكب معشر الشباب بعد انتهاء المباراة للاحتفال بالفوز ولكنهم وقفوا والدهشة تملأ عيونهم ! ، لقد وجدوا سيارات لم يألفوها ؟! فقد اعتادوا على سيارات الشرطة وذلك العسكري المغلوب على أمره الذي يريد فقط السلامة فلا يتعرض لأحد يخشى أن يكون من ذولي القرب لأذن بعض المسؤولين ، فلذلك وجدها بعض الشباب حجة للاستهتار مستهينين بهذا المسكين الذي ربما تسقط الأشرطة التي على كتفه من طول وقوفه.

لقد نزلت قوات خاصة من الحرس الوطني! ترتدي زي الجيش المعروف والذي بذكره تماماً من عاصر حرب الخليج! ، ومع كل فرد سلاح .. وأي سلاح! إنه رشاش، وكانت أوامرهم ألا يدخل أحد مع هذا الشارع، ومن يدخله يؤمر بالخروج من خلال الأحياء وممراتها الضيقة ، أوامر صارمة ووجوه كئيبة ! لا تبتسم ولا تتحرك ولا تجادل ولا تناقش، أمر محدد لو أبديت اعتراضاً ستجد فوهة الرشاش تخترق زجاج نافذتك! ، فوئدت الفرحة في ذلك الشارع وظهر بعضها في شوارع أخرى .. إنني لا أدعو لنزول الجيش مرة أخرى في شارع التحلية! ولكن كثرة العدد وقوة الضبط ستساهم في التنظيم ، وقد قيل:

فقسا ليزدجروا ومن يكُ راحماً *** فليقسُ أحياناً على من يرحمُ

إن القسوة والضبط ليس دليلاً على الكره أو القمع ، وإن كان ذلك صحيح فإن الثورة تجب على كل بيت من بيوت السعودية! إن أي إضرار بالآخرين هو أمر لا يمكن قبوله أدباً ولا ذوقاً ولا نظاماً ! وإلا فقد تصبح حياتنا فوضى عارمة ومنتهكة لأبسط الحقوق.

هذا ما يتعلق بالأمن وضبطه ، ولكن هناك شيء أبسط من ذلك وأهون لكن عواقبه وخيمة!

وهو الدفاع المدني ، نعم الدفاع المدني ، أولئك الذين يرتدون الزي العسكري وأمامهم نصف متر من “الكرشة” المتدلية ويمتطون السيارات الصفراء ومهمتهم إنقاذ المحتجزين في الأودية جراء السيول ، أو إخماد الحرائق وغيرها …
ألاحظ مثل غيري أن هناك إهمال واضح من قبل بعض أفرادها ، نتيجة أن فكرتهم عن هذا العمل هو عبارة عن إمساك بأنبوب مياه وتوجه نحو مصدر النار! ، وإن أبديت لهم هذه الاتهام سيدافعون عن أنفسهم كونهم يتعرضون للمخاطر و و و ، ماذا نقول عن الجندي الذي يحمل سلاحه في الحرب وهو يعرف بأن الحياة بعدها أمر صعب أو مستحيل!

مرة من المرات ، قامت إحدى المدارس بزيارة لمركز الدفاع المدني وأرادوا أن يشاهدوا تجربة لاستلام بلاغ ، وفعلاً دوى الجرس الداخلي وتقافز رجال الدفاع وذهبوا إلى تلك “الماصورة” لينزلوا إلى الدور الأرضي! ولك أن تشاهد تعثر بعضهم أو سقوطه! نظراً لثقله وعدم استخدامهم أصلاً لهذه الماصورة ، مما جعل أحد الطلاب يقترح ببراءة : لماذا لا تضعون غرفتكم في الدور الأرضي .. إنه اسرع! وتفاجئ المدير بهذا الكلام ولم يفكر به! لقد اصبح وجود دورين للدفاع المدني شكلاً عاماً ومألوفاً دون التفكير بطرق أسرع وأكثر مرونة.

وحقيقة الأمر أنك لو نظرت إليهم في الأحوال العادية ستجد بأنهم يفرشون الأرض ويتسندون ويلعبون إما البلوت أو ينشغلون بالأحاديث التي لا تنتهي ، ويكلف أحد منهم كل يوم للجلوس عند جهاز العمليات لاستقبال الأوامر، وما إن يصدر الأمر بالذهاب حتى يتحركون بتثقال ويتوجهون إلى العربة ويأخذون سيارة ومعها “الوايت” مع أن الحادث قد يكون حريق كهربائي لا تطفئه إلا الرغوة أو احتجاز في أحد الأودية .
وفي ذلك قصة شاهدتها بنفسي في شعيب صلبوخ منذ عامين تقريباً ، حيث احتجز عدد من الأهالي في منطقة نائية، فصلهم عن الآخرين جريان الوادي بكمية هائلة من الأمطار، فاستدعوا الدفاع المدني، فجاءت القوة وكانت: جيب ربع + وايت ممتلئ بالماء!! وتالله وبالله أن هذا الحاصل! ، بعد مشاورات واقتراحات ، تقدم الرائد بفكرة اختراق الوادي بالوايت الموجود معهم، وتطلب الأمر إفراغ الوايت من الماء الموجود به! واستغرق ذلك ربع ساعة تقريباً ، ولك أن تتصور جريان الماء بسرعة هائلة لو كان أمامها منزل مشيّد لاقتلعته بلا أي مقاومة، إضافة إلى ذلك أن واديها معروف بالحجر الكبير الذي يعيق الحركة، ولكن رجال الدفاع المدني بحكم خبرتهم يرون بأن الوايت وحش لا يخيفه شيء! ، وفعلاً اقتحتم الوادي ولم يكد يتجاوز الأمتار القليلة حتى علقت كفراته بالحصى مما جعله يعود أدراجه خائباً وسط صيحات استهجان وضحك من الحاضرين!

لماذا أقول كل هذا ؟!

لأني أعلم تماماً بأن الدفاع المدني مجهز بأدوات كثيرة جداً ، وناقلات قلما تجدها في العديد من الدول، ولكن الذي ينقصهم “الدبرة” أحياناً ، فما المانع من وجود القوارب ! خصوصاً في تلك المراكز التي تقع على أودية أو شعاب يتكرر فيها حالات الاحتجاز.
وكان ذلك حجة مركز الدفاع المدني في حادثة غرق سيارة طالبات الجامعة منذ أعوام في نفق السويدي ، فتحججوا بأن مركزهم لم يستقبل حالات غرق من قبل ولم يعتد وجود غرق في هذه الأماكن!! والمصيبة الأخرى أن عدداً قليلاً من رجال الدفاع المدني شاركوا في الإنقاذ مع عدد من المتطوعين والبقية أخذوا يتفرجون من فوق النفق ، وتعددت حجتهم حتى قال أكبرهم: إن بعضهم ممتلئ الجسم ويخشى على نفسه من الغرق!

لذلك يحتاج الدفاع المدني للتدريب الدائم، وتطوير خدماته، وتجديد الدماء ، ووضع خطط لإدارة الأزمات الطارئة، فليس الأمر استدعاء فرق لو من الدرعية كما حدث في حريق أسواق الجملة العام الماضي! ، بل كيف يتم الوصول للمكان في وقتٍ مناسب + القدرة على تقليل الخسائر بدلاً من إغراق البيت بالماء كإجراء احترازي يمكن الاستغناء عنه بشيء من التفكير والخبرة.

لا أريد أن أضرب هذا المثال أو هذا التصور ولا أتفائل به! .. ولكنه مطلوب لنعرف كيف سندير الأزمات لدينا ؟

لنفترض .. أن هناك حريق دب في برج المملكة، وتصاعدت ألسنة اللهب حتى بدت للعيان، كيف سيتم إطفاؤها ؟! ولكم أن تتصوروا ما يحدث ..
أولاً: برج المملكة يقع على أبرز الطرق الحيوية في الرياض: الملك فهد + العليا+ العروبة ، ولك أن ترى تعداد السيارات التي تعبر هذه الطرق، ومدى ازدحامها بدون أي حادث فكيف بوجود هذا الحادث!
ثانياً: حبانا الله بشعب يحب الفضول كعينيه! فلك أن تتصور عدد المتجمهرين من الذي نجوا من الحريق داخل برج المملكة ؟! أو الذين يعبرون في الطرق المذكورة ، أو الموجودين في أسواق العليا مول والأندلس ، أو الذين سيشدون الرحال من أماكن بعيدة حين يرون ألسنة اللهب تطال عنان السماء !

ثالثاً: كيف ستصل الجهات الأمنية لمقر الحادث مع ازدحام الطريق ـ أو بمعنى أصح توقفها ـ ، والجهات المطلوب أن تصل بسرعة هي: المرور ( لتنظيم السير) ، و الهلال الأحمر ( لإنقاذ المصابين) ، والدفاع المدني ( لإطفاء الحريق ) .

رابعاً : سيبتكر الدفاع المدني فكرة استخدام الطائرات الخاصة به لإطفاء الحريق ولكنه سيواجه مشكلة في تعبئة الماء كونه بعيد عن البحر ولا يوجد بقعة ماء موجودة في الرياض :( ، إضافة إلى أنه لو توفرت طريقة لتعبئته سيجد مشكلة في إيصال الماء لمكان الحريق لأن المبنى عمودي والهليكوبتر لا يمكن أن تناور في مكان قريب أو تسكب الماء بطريقة عرضية! بل ستسكبه بشكل عمودي ويرجع الأمر لخبرة قائد الطائرة في تقدير المسافة الجيدة لسكب الماء! إن لم ينل المتفرجون في الأسفل دشاً باردا ً !

خامساً: هل لدينا القوات الكافية لإدارة المكان؟! مثل المرور؟! أم يكتفون فقط بغلق الشوارع وجعل الناس تبتكر طرقاً خاصة بها!؟ أنا تعرضت لهذا الموقف في القمة العربية حيث لم استطع التنقل من التخصصي إلى البديعة عبر طريق التخصصي ولا تركي بن عبدالعزيز الأول بسبب إغلاقه نظراً لمروره بطريق خريص الذي أصبح مغلقاً للمواكب الخاصة ، لم نعرف نحن ماهي الطرق التي ستكون سالكة! مع أن الأمر معروف من الأول ومرتب له، فكيف بالأزمات! ، لذلك لن يفكر المرور بأن يجعل هناك قوات خاصة بإدارة الطرق الجانبية مثل طريق الملك عبدالعزيز وجعله سالكاً بدون إشارات ، وكذلك الحال في العروبة والتخصصي ، ما الفائدة أنك تحول سير العربات في جهة ولكن الطابور يقف أمامك! نظراً لوجود إشارة بطيئة لا يمكن أن تكفي هذه الأمواج الهادرة من السيارات.

سادساً: هل لدينا مستشفيات قريبة من هذا المكان؟! وكيف ستصل إليها سيارات الإسعاف بسرعة مع وجود الازدحام ؟

اكتفي بذلك .. تأملوا ما ذكر أعلاه وثقوا تماماً بأنه لو حدث ! ستكون مصيبة سوداء وسيكره الناس الرياض ذلك اليوم! لقد قلت حريق! ، فكيف لو كان عملاً إرهابياً ! نسأل الله السلامة والنجاة

يوم سعيد بلا حرائق أتمناه لكم

 

ملاحظة: كتبت هذه التدوينة منذ شهر تقريباً ولم استعجل لإنزالها، ولكن بسبب ظروف الأمطار والتي كشفت أو – فضحت _ قصور بعض المسؤولين مما جعل شوارعنا أنهاراً تجري ، وظهر عجز الدفاع المدني !